ابو بكر بن طفيل

48

حي بن يقظان

النبات والحيوان : فيما يتشابهان ، وفيما يختلفان : هما متفقان في الاغتذاء والنمو . - الحيوان يزيد على النبات بالحس والحركة والادراك ، هناك شيء من ذلك في النبات : تحول الزهرة إلى جهة الشمس . . . ثم كان يجمع في نفسه جنس الحيوان وجنس النبات ، فيراهما جميعا متفقين في الاغتذاء والنمو . الا ان الحيوان يزيد على النبات بفضل الحس والادراك والتحرك . وربما ظهر في النبات شيء شبيه به ، مثل تحول وجوه الزهر إلى جهة الشمس ، وتحرك عروقه إلى جهة الغذاء ، وأشباه ذلك . فظهر له بهذا التأمل ان النبات والحيوان شيء واحد ، بسبب شيء واحد مشترك بينهما ، هو في أحدهما أتم وأكمل ، وفي الآخر قد عاقه عائق . وان ذلك بمنزلة ماء واحد قسم قسمين : أحدهما جامد والآخر سيال . فيتحد عنده النبات والحيوان الجماد : لاحظ التحول في الجماد : الماء مثلا يصير بخارا أو جليدا . يمر الجماد بحالات عديدة وهو شيء واحد . ثم ينظر إلى الأجسام التي لا تحس ولا تتغذى ولا تنمو ، من الحجارة ، والتراب ، والماء ، والهواء ، واللهب فيرى انها أجسام مقدر لها طول وعرض وعمق ، وانها لا تختلف ، الا ان بعضها ذو لون ، وبعضها لا لون له ، وبعضها حار ، وبعضها بارد ، ونحو ذلك من الاختلافات . وكان يرى أن الحار منها يصير باردا ، والبارد يصير حارا . وكان يرى الماء يصير بخارا ، والبخار يصير ماء ؛ والأشياء المحترقة تصير جمرا ورمادا ولهيبا ودخانا ؛ والدخان إذا وافق في صعوده قبة حجر انعقد فيه ، وصار بمنزلة سائر الأشياء الأرضية . فيظهر له بهذا التأمل ، ان جميعها شيء واحد في الحقيقة ، وان لحقتها الكثرة بوجه عام . فذلك مثل ما لحقت الكثرة للحيوان والنبات . الأشياء المختلطة . - الوجود كله واحد ، ولكن يبدو كثرة لحي . ثم ينظر إلى الشيء الذي اتحد به عنده النبات والحيوان ، فيرى انه جسم ما مثل هذه الأجسام ، له طول وعرض وعمق ، وهو اما حار واما بارد ، كواحد من هذه الأجسام التي تحس ولا تتغذى ، وانما خالفها بافعاله التي تظهر عنه بالآلات الحيوانية والنباتية لا غير . ولعل تلك الأفعال ليست ذاتية ، وانما تسري اليه من شيء آخر ،